في زيارةٍ عابرة لشارع الثميري ، ذلك الشّارع الذي حوى تاريخ الرّياض بكل أيامه ولياليه ، يذكر والدي محلاً فيه لم تتغيّر لوحته إلى اليوم حتى بعد أن تغير الشارع ! .. في أزقته : جرى حديثٌ – لا أذكر كيف بدأ – مع شيّخ كبير في دكّانه ، أخبرته أن جدي كان ممن عمل على إنشاء الشارع في بدايته ، تهلل وجهه قائلاً : مع المعلّم بن لادن ؟! ، وهو كذلك ، كان محمد بن عوض بن لادن أحد كبار المقاولين السعوديين في بدايات تأسيس الدولة الجديدة ، وكان قد عمل على تنفيذ هذا الشارع ، و ممن عمل في شركته – يومها – معلّماً ( جدي صالح ) .
تبسَّم كثيراً .. تحدث مع غروب الشمس عن ذاك الجيل “الطيّب” ، وكيف أن نفوس اليوم استثقلت ما كانت تستخفه نفوس الأمس .. كلامهُ كان أشبه بتلك اللحظة ..
جسدٌ على مقاعد الانتظار ، وروحٌ تسكن المقابر ، تتلمَّسُ الأيام الخوالي ..
وقفتُ – حينها – أنظر لرجلُ حفرت وجهه الأحداث ، و لازال عالقاً في الأمس !
أحبَّ أن يكون حياً في عداد الموتى ..
أولئك العالقون تمر الأيّام عليهم كما لو أنها لم تمر ..
يمشون بين النّاس وهم في البرزخ !
والحق هو أنه شعورٌ طبيعي جُبلت عليه النفس حين تشعر أن ما مضى من حياتها جميلٌ لا يتكرر ، إلا أن الناس يختلفون في معالجة هذا الشعور ، فمنهم من يتجه إلى تقبّله و البقاء عليه ما ملّت النفس .. ومنهم من يَهْرب مخافة الذكرى ..
وأظهرُ ما تكون عليه حين يفقد المرء الشغف في اليوم و الغد .. حين ينفد رصيد الأمل : يرى الوجه والمشاهد متشابهة ، فلا جديد ينتظره ..
ما كان حديثُ الشيخ العابر إلا تلويحاً بالوقوف ..
كما لوَّح قبله ابن عباس – حين كَبُر – وكان يتمثّلُ بيتاً لأبيه ، إذ يقول :
فلا الناسُ بالناسِ الذين عهدتهم ..
ولا الدارُ بالدار التي كنتُ أعرف ..
اترك تعليقاً